الرئيسية

مقالات تخص أنشطة الجمعية و كل ما يتعلق بها

خاص بالمهرجان

International festival of documentary film

أخبار سينمائية

قسم يهتم بجديد السينما على المستوى الوطني والدولي.

أبحاث و دراسات

قسم خاص بنشر الأبحاث و الدراسات المتعلقة بالفن السابع

مقالات فكرية و نقدية

مناقشات و أفكار للنهوض بالفن السينمائي

ملتميديا المهرجان

صور و فيديوهات المهرجان

“زمن الرفاق” أحلام اليسار هي كوابيس اليمين

Mohamed Chrif Tribak

 

 

“زمن الرفاق” أحلام اليسار هي كوابيس اليمين

الكاتب: محمد بنعزيز   

هذا فيلم عن ذاكرة سياسية يتقدم من خلال قصة عاطفية بين طالب ثائر وطالبة جميلة في الجامعة المغربية بداية التسعينات من القرن العشرين. وهو فيلم أطروحة  thèseيلقي نظرة متعاطفة على مرحلة تاريخية حرجة عرفت تراجع الحركة اليسارية وصعود التيار الإسلامي في أفق سيطرته على الحرم الجامعي.

 مرحلة حرجة لأن الرفاق الذين قادوا الحركة الطلابية لعقود يفقدون مواقعهم مرغمين لصالح خصمهم العقدي والسياسي.
أمام هذا الوضع يشعر الرفيق سعيد بالقلق، مما دفعه للعزلة والتردد، وقد كان رفاقه يحثونه على استعادة موقعه القيادي الذي اكتسبه بفضل عمق ثقافته وبلاغته ووضوح رؤيته. غير أن ما غيره هو تلاشي هذا الوضوح بسبب قسوة أسئلة المرحلة. في خضم هذا المخاض، يتعرف سعيد على طالبة جديدة تدعى راحيل، التحقت بالجامعة رغم خوف أسرتها الميسورة عليها من غواية المدينة الفاجرة.
 يحاول سعيد التقرب من راحيل فتصده، وقد زاد ذلك من قلقه، إلى أن تدخلت إحدى الرفيقات وأثمرت وساطتها… حينها حل سعيد مشكلته العاطفية، استرجع حيويته لأن المرأة – كما قال شاعر يمني ضرير –  “كالمكنسة الكهربائية تمتص همومك”.
بالفعل، ما أن امتصت راحيل هموم سعيد حتى اندفع إلى حلقيات النقاش يشرح ويساجل. وهكذا انتقل الصراع من صراع داخلي ذاتي، إلى صراع خارجي بين طرفين واضحين بصريا ومعجميا.
بصريا، هناك أصحاب الملابس العصرية، يحملون علما أحمر عليه صورة تشي غيفارا، وهناك أصحاب الجلابيب البيضاء الملتحين والغامضين في الفيلم. وطبعا هناك فريق ثالث متفرج غير معني بالصراع، فيه الكثير من أبناء الفلاحين الذين كانوا أول من التحق بالجامعة في أسرهم، وهؤلاء يعتبرون تواجدهم في المدينة فرصة للتعلم والعيش، ومنهم من يهمه العيش أكثر، رغم أن وسائلهم المحدودة، وحتى المعدومة، لا تتناسب وشدة تلهفهم للتمتع بالاستهلاك، وهم يتعرضون لسخرية بنات المدن “المتحضرات”.       
وهذا الفريق الثالث عاجز عن فهم الصراع الذي يشل الحرم الجامعي، وهو يريد أن يكون محايدا، لكن موقفه هذا غير مسموع رغم الغلبة العددية لأصحابه. 
وقد نجح الفيلم خلال 103دقائق في تصوير الصراع بالصورة والمعجم الذي يميز بين الإسلاميين والماركسيين القاعديين والصراع الطبقي والعنف الثوري والفئات الشعبية… ويرجع هذا النجاح إلى مسار كتابة السيناريو، فهو أولا قد اعتمد على مذكرات طالب يساري تَمثل أسس الجدال العميق بين القاعديين والإسلاميين، مما ساهم في إنتاج حوار أنقذ الفيلم، حوار ممتاز يرفع مستوى المشاهد بفضل إحاطته بالقضايا المطروحة.
هنا يظهر أن السينما عندما تعتمد على الأدب ترسم شخصيات واضحة المعالم وتطور حبكة متماسكة وتقدم حوارا مؤثرا وبيداغوجيا. وقد اعتمد المخرج محمد الشريف الطريبق على مذكرات عزيز قنجاع وتعاون في الكتابة مع هشام فلاح.  وقد كان هذا التعاون والتحاور بين الثلاثة مفيدا، يقول التشيكي الحائز على الأوسكار ميلوس فورمان “السيناريو الجيد يكتب بأكثر من يد واحدة… يعجبني العمل مع كتاب سيناريو قادرين على تمثيل كل المشاهد خلال مرحلة الكتابة… أداء جميع الحوارات… نمثل فيما بيننا الانتقال إلى ما هو  شفوي”.
هذا درس مفحم على أهمية التعاون، بدل الوسواس الذي يسيطر على عدد من المخرجين المغاربة من أن يتحدثوا إلى أحد فيسرق فكرتهم، فيكتبون بيد واحدة حكاية مهترئة لا تصمد أمام التمحيص. للإشارة، يعتمد  مارتن سكورسيزي على نصوص روائية شهيرة لصناعة أفلامه، بينما يتجرأ مخرج مبتدئ، لم يكتب ولا حتى قصة قصيرة، يتجرأ ويقفز مباشرة ويبدأ في كتابة السيناريو. وهذا خلل يتسبب في إنتاج أفلام ضعيفة، تحتال باللقطات الجنسية الساخنة والألفاظ الساقطة لاستقطاب الجمهور.
  بفضل الكتابة الجيدة لسيناريو “زمن الرفاق”، تم رسم شخصيات واضحة المعالم سهُل على الممثلين تقمصها وأداءها، وقد مثل محمد عسو دور المناضل بحساسية كبيرة، إذ بيّن مفاصل تحول الشخصية بوضوح، بين مشاعر الإحباط والتردد والإصرار والاندفاع والحذر… أما فرح الفاسي فقد أدت دورها بإقناع وصدقية، إذ جسدت زخم مشاعر العشاق الجدد، وتصرفت بدلع مؤثر وغنج لذيذ، وأبرزت طريقة لباسها تطور شخصيتها من تلميذة غريرة إلى طالبة تتقن مواعدة حبيبها… للإشارة، لا يكون أداء الشخصية بالجسد فقط، بل إن ثقافة الممثل وحساسيته تساعده على تقديم أداء مقنع.
على صعيد الصور والمشاعر، حصل المخرج على ما طلبه من الممثلين لأنه شرح لهم رؤيته، وقد ضمن الأداء تعاطف الجمهور مع شخصيات الفيلم، حتى أنه في اللقطة التي جاءت راحيل تبحث عن حبيبها المناضل، التقت بقريبها الأستاذ الجامعي ورجعت، شعر المشاهد بالأسف وكأنه حبيبها، وقد أحسست بذلك الأسف لأني كنت أشاهد الفيلم وأتلصص على رد فعل الجمهور.
 عادة، أذهب إلى السينما لمشاهدة الفيلم المغربي لإشباع الدهشة، ونادرا ما أسجل ملاحظات عن المشاهدة الأولى. وإذا شدني الفيلم لأنه كان سيئا أو جيدا لا متوسطا، أعود لمشاهدته وأكتب على كراسي في الظلام.
مشاهدة الفيلم السيء بالنسبة للمهتم بالسينما أنفع، لأنه يرى ما ينبغي تجنبه، وهذه نصيحة صادرة عن المخرج المصري الراحل صلاح أبو سيف. والمشاهدة الثانية لمساءلة الحرَفية.
في ملصق الفيلم، يطل علينا بطلا الأحداث من خلف جدار أحمر، جدار انهار في 1989، ولكنه جرف معه عالما بكامله، وهذا العالم هو ما يحاول الفيلم تصويره، يقول مارتن سكورسيزي “أكبر المشاكل التي يواجهها المخرج الشاب هي حين لن يكون لديه شيء ليقوله!”. يبدو أن وضع الشريف الطريبق مقلوب، فقد أراد أن يقول أشياء كثيرة دفعة واحدة، عن لحظة جميلة داهمه الحنين إليها، وهذا ما يطرح صعوبة الاشتغال على الذاكرة، الذكريات لا حبكة لها، إنها مجرد لقطات متباعدة تصطفيها الذاكرة وتخزنها، وعندما تصور تصبح مجرد لوحات، لكن استخدام الطريبق للقصة العاطفية أنقذ أحداث الفيلم من التفكك.
مع الأسف لم يترافق تذكر الأحداث بأناشيد المرحلة، افتقد الفيلم الزخم الصوتي لشعارات الرفاق “زغردي يا أمي يا أم الثوار”، “انهض للثورة والثأر”، “هما فين وحنا فين للشيخ إمام… بالنسبة للصورة، التي التقطت في بيئة جغرافية رومانسية مؤثرة، فهي مضببة لأنها التقطت في الخريف، قريبا من البحر ورذاذه. وهذه ملاحظة صحيحة إن لم يكن المشكل في شاشة قاعة العرض التي شاهدت فيها الفيلم بمدينة آغادير.
 على مستوى الأصداء، حصل الفيلم على جائزة الجمهور في مهرجان تطوان في 4-4-2009، وقد أثار الفيلم حساسية الإسلاميين لأنه يقدم صورة منحازة. قدم الطالب الماركسي مثقفا مؤدلجا ورومانسيا… بينما قدم  الطالب الإسلامي من بعيد، غامضا صغيرا وعدوانيا. وقد كان المطلوب حسب المعترضين تقديم صورة متوازنة، وهذا مطلب وجيه لتقديم الرأي والرأي الآخر، غير أن هذا مطلب ينطبق على نشرة إخبارية على قناة الجزيرة، وعلى برنامج وثائقي يقدم الواقع كما هو. بينما الإبداع يتدخل في مجرى الواقع ليُخضعه لوجهة نظر خاصة توجّه الكاميرا، ويجب على الكاميرا أن تمثل عين إحدى الشخصيات، لتقدم الحكاية منسجمة، وهي هنا تمثل عين الرفيق سعيد، الذي يرى الإسلاميين خصوما ويرى راحيل فاتنة. يمثل سعيد مبادئ وأحلام اليسار، وهو يعادي كل من يعاديها، وأحلام اليسار هي كوابيس اليمين، ثم أنه من الصعب إنجاز فيلم عن الإسلاميين لأن “الرواية هي تاريخ النساء”، كما تقول مارت روبير، والإخوة لن يقبلوا إشهار أجساد النساء ومشاعرهن، فماذا ستلتقط الكاميرا؟ وحتى لو  صور المخرج زواج المتعة بين بعض الإخوة والأخوات لغضب الإسلاميون غضبا أشد من غضبهم بسبب تحيز الفيلم للرفاق الذين دفعوا من عمرهم في السجون لكي يظل الاتحاد الوطني لطلبة المغرب تقدميا جماهيريا ومستقلا.
 يجب أن ننتقد المخرج على ما فعله لا على ما لم يفعله، وأنا كاتب المقال متحيز لزمن الرفاق. والتحيز في الإبداع مزية لا سبّة، فقط يجب على المبدع أن يدفع انحيازه إلى حدوده القصوى، وهذا ما فعله الطريبق، فهو لم يقدم الرفاق كملائكة ولا كقوة لا تقهر، بل قدمهم كبشر، لهم عواطف وأحلام ومخاوف ووساوس وخيبات…. وأنا أرحب بفيلم عن الطالبات والطلبة الإسلاميين يصور فيهم هذا الجانب، وستكون الصورة اكتملت لتقديم قراءة سينمائية لتاريخ المغرب الحديث.
 إذ بعد مساءلة سنوات الرصاص في سينما السجون، في أفلام “جوهرة بنت الحبس” لسعد الشرايبي، “منى صابر” لعبد الحي العراقي، “الغرفة السوداء” لحسن بنجلون… وصلنا إلى مساءلة نهاية الثمانينات وبداية التسعينات من القرن العشرين، وقد تطرقت عدة أفلام للهجرة وصعود دور النساء، بينما تناول الطريبق الذاكرة الطلابية، إذ تتيح الذاكرة مقارنة الأمس واليوم، وهكذا يمكن أن نقارن من جهة أولى بين شبيبة اليوم، شبيبة كازانيغرا [في إشارة إلى فيلم كازانيغرا، أي الدار الكحلاء نكاية في اسم مدينة الدار البيضاء]، شبيبة تفتقد أفقا تقاتل من اجله، وتعوض ذلك بالعنف اللفظي البيني. وشبيبة الأمس القريب من جهة ثانية، شبيبة زمن الرفاق، التي عاشت حلما كاسحا بالعدالة الاجتماعية والتحرر، وكان الطالب حينها يعيش أجواء نضالية راقية، يعرف ماركس ومهدي عامل وتطور الرأسمالية و…
هذه المقارنة مفيدة لنعرف إلى أين تجري شبيبة مغرب اليوم، وأوجه دعوة لطلبة الجامعة اليوم لاكتشاف اهتمام أسلافهم، الذين كانوا يتحيزون متفائلين للمستقبل هنا، في الوطن.
bnzz@hotmail.com

 

تاريخ النشر: الثلاثاء, 28 يوليو, 2009