الرئيسية

مقالات تخص أنشطة الجمعية و كل ما يتعلق بها

خاص بالمهرجان

International festival of documentary film

أخبار سينمائية

قسم يهتم بجديد السينما على المستوى الوطني والدولي.

أبحاث و دراسات

قسم خاص بنشر الأبحاث و الدراسات المتعلقة بالفن السابع

مقالات فكرية و نقدية

مناقشات و أفكار للنهوض بالفن السينمائي

ملتميديا المهرجان

صور و فيديوهات المهرجان

الصورة ودورها في تطوير منظومة القيم

أجرى الحوار:عزيز باكوش

الدكتور الحبيب ناصري (ناقد / باحث) أستاذ بمركز تكوين أساتذة التعليم  بمدينة خريبكة المغربية، حضر إلى فاس  في إطار ندوة فكرية ،شارك فيها كل من  نعيمة المشرقي فنانة في مجالي السينما والمسرح ، والسينمائي رشيد فكاك، والمخرج المغربي بالقناة الثانية حسن غنجة، والباحث والناقد السينمائي حمادي كيروم، والفنان عز العرب الكغاط،والباحث السيميولوجي حسان احجيج، والناقد الإعلامي بجريدة العلم عمر بلخمار، وأحمد غزالي عضو مؤسس ومسير للفدرالية الوطنية للأندية السينمائية المغربية ، يوسف أيت همو باحث في اللسانيات وسيميولوجيا الصورة والسينما، أحمد عريب ناقد سينمائي ومدرس لتاريخ السينما، محمد لطفي مخرج ومنتج سينمائي ، ديدن بومدين أومير خبير في تقنيات التصوير والمونتاج وأستاذ سابق بجامعة باريس3.. وأدار الندوة الشاعر المغربي محمد بودويك  وذلك على هامش المهرجان الوطني للفيلم التربوي المقام مابين 10 و 13 من أبريل الجاري .
التقينا الدكتور الحبيب ناصري وأجرينا معه الحوار التالي:

س ـ  لماذا الصورة كقيمة  تحديدا  وليس الكتاب  ؟؟

ج ـ إن بناء مجتمع المعرفة، المجتمع المتشبع بقيم القراءة والبحث عن المعرفة، بكل ما تنهض عليه هذه الأخيرة من مكونات فنية و ثقافية و علمية و اجتماعية و اقتصادية، لا يمكن أن يتحقق بمعزل عن الصورة، و ما يمكن أن تولده هذه الصورة  من أسئلة نقدية و جمالية. لذلك ، فإن المتأمل/ القارئ للميثاق الوطني للتربية والتكوين باعتباره وثيقة / إطارا عاما، منه تتفرع كل الأسئلة و الانشغالات و الاهتمامات التربوية بشكل عام ، من شأنه أن يستخلص مجموعة من المكونات المكونة لهاته الوثيقة، ومن جملتها  سؤال  القيم التي على المتعلم أن يتمتع بها كقيم روحية وتاريخية وثقافية و اجتماعية… وذلك  في أفق جعل هذا المتعلم (تلميذ/ طالب اليوم …..رجل الغد)  يكتسب مجموعة  من الآليات  القادرة على  جعله إنسانا عاشقا لقيم الجمال والمحبة والحداثة، انطلاقا من الصورة.

س –  مداخلتكم كانت بعنوان “الصورة ودورها في تطوير منظومة القيم “إلى أي حد يمكن للصورة أن تساهم في  وتطوير هاته القيم لدى التلميذ أو الطالب على نحو عام  في ظل نقص فادح و فجوة رقمية  شاسعة  ؟؟

ج – الصورة، هذه الأيقونة البسيطة/ المعقدة الجاذبة لعقول  وقلوب الصغار و الكبار، هي  الأداة/ الغاية الحاملة والناهضة على مجموعة من الأسئلة  المتعددة  يصب  معظمها  في عمق اهتمامات الإنسان وانشغالاته المتعددة، فعبرها نستطيع إدراك  المفكر”بفتح الكاف” واللا مفكر فيه الذي  يشغل  باله.  لقد كان صنع الإنسان لهذه الصورة و ما اقتضته من مراحل فنية و تقنية و صناعية، محطة ثقافية هامة ، إذ من خلالها  طرح هذا الإنسان العديد من أسئلته، و بحث من خلالها عن العديد من الحلول في سياق تطوير منظومة قيمه وتحديثها . و تبقى الصورة مستمرة في جعل الإنسان يبوح ببوحه،  ويكشف عن آلامه/آماله وفق زوايا رؤاه…

س- نعم، لكن ، كيف يمكن تطويع هذه الصورة  لأداء تربوي متفاعل ؟؟

ج ـ من هذا المنطلق، يمكن القول إن الصورة أداة تربوية /ثقافية/إنسانية،يمكن تطويعها من أجل أداء تربوي فعال ، وأعتقد أن  من الصعب اليوم و لأي منظومة تربوية ألا توظف الصورة  في مضامينها ومحتوياتها ومناهجها التعليمية، بل الصورة  اليوم، أداة  خصبة لتحقيق العديد من الكفايات المنتظر تحقيقها لدى هذا  المتعلم، في أفق تفعيلها  بشكل راق في محيطه العائلي و المحلي  و  الجهوي و الوطني و العالمي، بل هي أداة حوار ثقافي بامتياز، وأداة بناء للأفكار في أفق هدمها و تجديدها والبحث عن بناءات أخرى مستمرة وفق حاجيات هذا المتعلم المتجددة في زمن التجددات و في زمن التحولات و التدفقات المعلوماتية و المعرفية…
س ـ هل للصورة  وظيفة محددة  في تكريس ثقافة الجمال ؟

ج ـ  إن الحديث عن وظائف الصورة، كيفما كانت، متحركة أم ثابتة،وظائف متعددة و متنوعة،  و سنركز هنا عن تلك المتعلقة بوظائف قراءة الصورة، بمعنى آخر، ما الوظائف التي من الممكن للتربية أن تحققها  بفعل قراءة الصورة ؟
في تقديري،  إن وظائف قراءة الصورة متعددة، نذكر منها على وجه الخصوص
1) وظيفة نقدية : ( أنا أنقد إذن أنا موجود )، وهي وظيفة تساهم في جعل المتلقي بشكل عام والمتعلم بشكل خاص، يطور قدراته التفكيكية و التحليلية و التأويلية … إنها وظيفة البحث عن المعنى كمرحلة أولى في أفق تجاوزه و الإمساك بمرحلة الدلالة،  كمرحلة مهمة في جعل المتلقي يتعود على قراءة الظواهر، كيفما كانت،  سواء تعلق الأمر بما هو اجتماعي أو سياسي أو اقتصادي…، فما أحوجنا إلى توسيع هذه الآلية و جعلها في متناول كافة الفئات الاجتماعية، إذ يمكن القول هنا و كما سبق الذكر: ” أنا أنقد إذن  أنا موجود “. إن وظيفة  النقد وظيفة هدم وبناء … وظيفة تفكيك و تركيب. من هذا المنطلق نقول إن أي تعطيل لهذه الوظيفة هو تعطيل لأفق المعرفة، أفق فهم قوانين الظواهر و كيفية اشتغالها…
2) وظيفة جمالية  : إنها وظيفة البحث عن كل التجليات  الجمالية الحاضرة في  فيلم ما . إن ثقافة الجمال واحدة من أهم الوظائف التي يسعى الكاتب و المخرج و الممثل و التقني بشكل عام  إلى بعثها أو إرسالها إلى المتلقي، في أفق تطوير رؤيته الجمالية و تحويل  ذاكرته من سؤال البحث في ماذا تقول الصورة إلى سؤال  البحث في كيفية قول الصورة لقولها عبر تجلياتها الزمانية والفضائية و  الشخوصية، وزوايا النظر، وسلم اللقطات، و الملابس و الإنارة و الموسيقى  و  الألوان … إنها عُدة لا بد أن تكون فاعلة في تطوير البعد الجمالي لدى المتلقي، وجعله ينفتح على أفاق الجمال بكل ما يحمله هذا العلم و/ أو الفن و/أو الفلسفة. إن لغة الجمال لغة القيم الإنسانية  العميقة بكل امتياز، و من ثم فعاشق الجمال عاشق لكل فعل فني و ثقافي، ممتلك لرؤية ذوقية ما.إن المتشبع بقيم الجمال، إنسان ممتلك للعديد من المرجعيات الثقافية و الفنية والفلسفية  المستمدة  مما كان عليه الإنسان،  و ما أصبح عليه ، و ما ينبغي أن يكون عليه لاحقا …
3) وظيفة تربوية :  إن أي منظومة تربوية و كيفما كانت، وفي أي بلد  كان، و مهما كان مؤشر التنمية، وإمكانيات هذا البلد،  إلا وتسعى إلى تحقيق مجموعة من القيم لدى المتعلم، الذي سيصبح فيما بعد، رجل الغد، و رجل المسؤوليات وصياغة القرارات. فهذه المنظومة من جملة ما يمكن أن تقاس به،  كتجل من تجليات الجودة، هو درجة اهتمامها بفعل الصورة إبداعا وكتابة وإخراجا وقراءة و تأويلا، من خلال مجموعة من البناءات المعرفية و التحليلية و التركيبية. إن حضور الصورة بشكل أو بآخر من خلال بعض مكونات المنهاج ، دلالة على رغبة ما … على الأقل رغبة أولية في نشر القيم التي تنهض عليها الصورة. فإذا كان الباحثون اليوم يصرون و بشكل علمي على كون هذا العصر، هو عصر الصورة بامتياز، فكيف  لا يمكن أن نضع مكانة، ما،  لهذه الصورة في منظومتنا نحن، و الميثاق الوطني  للتربية و التكوين يصرح بشكل  مباشر و أحيانا بشكل غير مباشر بضرورة تعليم و تربية و تكوين التلميذ وفق قيم فنية و ثقافية معتزة بأصالته و منفتحة على محيطها الخارجي.أو ليس الصورة واحدة من الأدوات المساهمة في تحقيق هذه القيم؟..
إن حضور الصورة عبر مضامين و محتويات تربوية عديدة، من اللازم أن يساهم في تطوير قدرات التلميذ و الطالب، في أفق جعله يكتسب مجموعة من الكفايات و القدرات القادرة على جعله مدركا  لما تنهض عليه هذه الصورة من أبعاد اجتماعية و ثقافية و فنية، ومن خلالها يحقق فعل الانفتاح والإدراك، لما يجري في محيطه المحلي و الجهوي والوطني والعالمي،  بل أكثر من هذا سيتجاوز  مرحلة  التلقي  إلى مرحلة  الإبداع و الإرسال  لخطاب ما عبر هذه الصورة .
4) وظيفة تواصلية / ثقافية : إن ما تطرقنا إليه قبل قليل، تضمن كيفية جعل الصورة للتلميذ مدركا، لمحيطه عبر امتداداته المتعددة (المحلي /الجهوي/الوطني/ العالمي )، فهذا الإدراك لهذه الامتدادات الزمنية و الفضائية و الثقافية، تجعل هذا التلميذ كمدرك لأداة من أدوات التواصل الفاعل و المؤمن بضرورة تبادل الأفكار و القيم و التجارب. فهل يمكن اليوم افتراض تواصل من هذا القبيل بالمعزل التام عن الصورة كأداة من أدوات التواصل؟ … نقول هذا الكلام ونحن جازمين اليوم أن التلميذ، يتلقى في لحظات زمنية وجيزة العديد من التراكمات المرتبطة بالصورة(الهاتف المحمول/الباربول/الانترنيت/ الأفلام/ الإشهار/ الفيديو كليب….)

س ـ كيف يمكن بناء توقعات تربوية  هادفة، بمعزل عن رغبة  في إفهام التلميذ لأهمية هذه الوسائل في تحقيق فعل تواصلي ثقافي، تتساير وحاجيات هذا التلميذ المرتبطة بمنظومة قيم معينة …؟
ج ـ القيم  كمنظومة ،  لا يمكن فهمها بدورها إلا  من خلال التحديدات والقضايا التي أثرناها سابقا ،  هنا تحديدا ، يتضح لنا أهمية الصورة في تطوير قدرات الإنسان،  و كيفية جعله عاشقا  لقيم الجمال و المحبة، رافضا لقيم العنف و التطرف، متمسكا بالحوار  والتلاقح والتكامل الثقافي، سواء مع  ذاته أو الآخر … وحتى نعمق طبيعة نقاش هذا المحور، يمكن القول إن القيمة هي مجموعة من المكونات الروحية والثقافية والاجتماعية والوجدانية والذوقية المحددة  لرؤية ما، وفق اختيارات إنسانية بلورت في ظل قناعات و أحكام محددة، و هي بالتالي قابلة للتوحد و التعدد والاختلاف من زمكان إلى  آخر …
انطلاقا من هذا التحديد،  يمكن للصورة أن تساهم في تعميق القيم  الصحيحة  و تصحيح تلك المبنية على رؤى خاطئة، بالإضافة إلى المساهمة في توليد قيم جديدة وفق حاجيات المجتمع، وما يعرفه من تحولات اقتصادية واجتماعية وثقافية، و بهذا تكون الصورة أداة ثقافية و فنية و ذوقية وتخييلية  لها قدرة هامة في تطوير قدرات الإنسان، و من ثم قدرات المجتمع …

س – زمن العولمة، زمن موحش، في عمقه ، ما دور الصورة في كبح أو  ترويج نموذجه ؟؟
ج ـ  صحيح ، هو أيضا ، شرس ، ومتهافت ،  زمن الربح السريع بأقل تكلفة… زمن ترويج نموذج اقتصادي و ثقافي معين و محدد. إنه نموذج التحكم في دواليب اقتصاد  هذا العالم. و إذا كان لكل عصر عولمته، و إذا كانت العولمة قادرة  على فعل فعلها في الإنسان و البيئة و القيم، فإن هذه الأخيرة تمتلك من القدرات القوية على البقاء، ببقاء قيم الخير فوق هذه الأرض، و اندثار الشر في النهاية. إنها الوظيفة السامية التي على الصورة الانخراط فيها من خلال كل تجلياتها و تمظهراتها، وإلا فإن خطورتها تزداد يوما بعد يوم، في أفق جعل الإنسان متلقيا سلبيا غير فاحص لما يتلقاه و يتجرعه من صورة مخدومة وفق غايات مخدومة هي الأخرى.
س ـ تصوركم لمستقبل الصورة في المنظومة التربوية
ج ـ  في تقديرنا، وحتى نتمكن من جعل منظومتنا التربوية بمثابة صدى حقيقي لما ينهض عليه الميثاق الوطني للتربية و التكوين من أبعاد علمية وثقافية وروحية مرتبطة بشخصية الإنسان المغربي، المتشبع بقيم الأصالة والمعاصرة بطريقة متوازنة ومتفاعلة، علينا أن نفسح المجال لتعليم وتعلم الصورة وفق رؤية إبداعية و ثقافية و حوارية، تجعل تلميذ وطالب اليوم، رجل المهام  الصعبة، رجل الاعتزاز  بهذا الفسيفساء  الثقافي  والاجتماعي  والذوقي المغربي الأمازيغي  العربي  الإفريقي الإسلامي  الإنساني  الجميل. فكيف يتحقق هذا المجال، إذا،  بمعزل عن ثقافة الصورة ؟.

وكاله واتا للأنباء

تاريخ النشر: السبت, 7 فبراير, 2009