الرئيسية

مقالات تخص أنشطة الجمعية و كل ما يتعلق بها

خاص بالمهرجان

International festival of documentary film

أخبار سينمائية

قسم يهتم بجديد السينما على المستوى الوطني والدولي.

أبحاث و دراسات

قسم خاص بنشر الأبحاث و الدراسات المتعلقة بالفن السابع

مقالات فكرية و نقدية

مناقشات و أفكار للنهوض بالفن السينمائي

ملتميديا المهرجان

صور و فيديوهات المهرجان

“السرد ذاكرة”: كتاب مصطفى يعلى

ghilaf

 “السرد ذاكرة”: كتاب مصطفى يعلى

  عرض محمد أنقار

 

أصدر الدكتور مصطفى يعلى في بحر السنة الجارية [2009] كتاب “السرد ذاكرة”. هو كتاب في نقد أنماط من السرد، نحتمل إدراجه في صنف التأملات. وعندما نقرأ الكتاب نتأكد بالفعل أنه تأملات في السرد المغربي، والعربي، وحتى العالمي. هي صفحات هادئة، وخلاصة تجربة طويلة جداً في مجال الاحتكاك بعوالم القصص تعليماً، وممارسة، وترجمة، وتصنيفاً، ونقداً. ومصطفى يعلى يكتب القصة القصيرة منذ منتصف الستينات من القرن الماضي. ولقد استطاع في هذا المضمار أن يكتسب أسلوبه التعبيري الخاص، لعل أبرز سماته؛ الهدوء، والإيقاع المتدرج، واستلهام البعد المحلي بما فيه من عادات اجتماعية، وتقاليد متوارثة، وحكايات خارقة. وبمناسبة الحديث عن المحلية لابد أن أشير إلى رسالة يعلى الرائدة حول “ظاهرة المحلية في الفن القصصي بالمغرب” التي تقدم بها لنيل دبلوم الدراسات العليا في سنة 1984، لكنها لم تطبع إلى اليوم للأسف الشديد. وفضلاً عن مجاميعه القصصية الأربع (“أنياب طويلة في وجه المدينة” – “دائرة الكسوف” – “لحظة الصفر” – شرخ كالعنكبوت“)، وعن بيبليوغرافيته المتخصصة حول “السرد المغربي 1930-1980″، بدا كأن يعلى قد تخصص في نقد السرد الشعبي وأصدر فيه الدراسات النقدية الآتية: “امتداد الحكاية الشعبية” – “القصص الشعبي في المغرب. دراسة مورفولوجية” – “السرد الشعبي. قضايا وإشكالات“.

                                                 

                                             ***

      يتشكل كتاب “السرد ذاكرة” من ثلاثة أقسام صيغ كل منها في عنوان كبير:

“القصة القصيرة ذاكرة”.

“في القصة النسائية القصيرة”.

“إضاءات سردية”.

إضافة إلى “استهلال” و”ختم”.

في الاستهلال بسط المؤلف الرؤية النقدية التي صدر عنها في كتابه، مستعرضاً في نفس الآن المادة التي سيخضعها في المتن للنظر والتأمل. وفيما يخص الرؤية اعتبر يعلى أن الحياة والإبداع يعيشان الآن «زمن النثر بسلطته وخشونته. فالعلائق الرومانسية والإيمان بالقيم النبيلة والطموحات المثالية الحالمة وأمثالها من مظاهر شعرية الحياة الماضية، قد ترسبت في قاع الذاكرة الجماعية لإنسان العصر الحالي، وأضحت من سجلات التاريخ، من غير أن يعني هذا أنها انقرضت نهائياً [.. ]لذا فما يهيمن راهناً هو جفاف الحياة، وبالتالي صلابة النثر باعتباره أداة ملائمة للتعبير» عنها (ص 7).

في القسم الأول من الكتاب نقرأ العناوين الآتية:

–        أحمد عبد السلام البقالي قامة أدبية وازنة.

–        السجل الفولكلوري في قصص البقالي.

–        تجليات المدينة المغربية في قصص الرواد.

وكما هو واضح يحظى البقالي بعناية فائقة من لدن المؤلف باعتباره أديباً رائداً حقق «في عناد نادر، تراكماً إبداعياً كماً وكيفاً في مختلف الأجناس الأدبية». لكن ما يهم يعلى «هذا الحرص الملحاح الذي تمتع به الكاتب [البقالي] على التقاط مظاهر ومشاغل وطموحات مجتمع مدينته الصغيرة أصيلة، بحمولتها الفولكلورية المكونة لشخصية وهوية هذا المجتمع» (ص 8).

وفي الفصل الخاص “بتجليات المدينة..” رصد يعلى ارتباط بعض الأدباء المغاربة بمدنهم مثلما هو شأن فاس مع غلاب وابن جلون وأحمد بناني ومحمد الحبابي، وأصيلة مع البقالي، وتطوان مع محمد الخضر الريسوني، وسلا مع اشماعو وبوعلو وزنيبر. وانتقي يعلى من كل هذه الأمثلة مجموعة “فاس في سبع قصص” لأحمد بناني، واختار منها على وجه التحديد قصة قصيرة بعنوان “حتى الطيور في حيرة” وأخضعها للتأمل والتحليل. وتدور القصة حول الخرّاز عزوز عاشق الطيور الذي أفلح في اقتناء طائر وتدريبه على الأنغام المطربة بكثير من الأناة. ثم  اصطدم بعد ذلك بالتأثير السيء الذي أحدثته السينما والمذياع، فحصل التشويه والخلط والقبح في الغناء (ص 43).

واستخلص يعلى من تلك القصة بنيتين؛ تتحدد الأولى في تقوقع المجتمع التقليدي على نفسه، وتتمحور الثانية حول الفجيعة المأساوية جراء اصطدام ذلك المجتمع بالحضارة الخارجية. وأثارت انتباهه في تلك القصة سمات الشاعرية، والرومانسية المحببة، والطبيعة، والتجلي الاجتماعي، والمحلية، والموقف السلفي المكوِّن لخلفية رؤية العالم لدى الكاتب. وانتهى إلى حكم عام يرى أن كتابات أحمد بناني السردية قد تحولت «إلى مستودع يحتفظ بذكرى عالم حميمي أليف حاول الاحتفاظ به في هوس نابع من الحب الشديد له والهلع من أن يطوله الاندثار» (ص 53).

وفي الفصل الخاص ب”القصة النسائية المغربية القصيرة: الريادة ونوعية التلقي” ركز مصطفى يعلى حديثه على خناثة بنونة التي نشرت أول مجموعة قصصية نسائية بالمغرب في سنة 1967 هي “ليسقط الصمت”. وتابع يعلى آراء فريقين من النقاد والمعلقين على المجموعة؛ منهم من رحب بها وتحمس لها (كنون/ الصباغ/ المنيعي/ مليكة العاصمي) ومنهم من رفضها (زفزاف/ الخوري/ الخطيب). وردّ يعلى على الفريقين وخلص إلى القول:

« إذا كانت هذه القراءات في جملتها تتميز بكونها قراءات انطباعية تقتنص ملاحظات عامة محددة من غير ما اعتماد منهج معين يوظَّف لتشريح النصوص من أجل المرور إلى الخلاصات التأويلية الموضوعية الشاملة، فإن هناك قراءات قريبة من هذا المنظور ستتم فيما بعد ابتداء من أواسط السبعينات» (ص 71).

وفي الفصل ا لمعنون: “وظائف الرجل في القصة النسائية القصيرة” تساءل يعلى عن أبطال وليس بطلات تلك القصة. فماذا عن الرجل ، وماذا عن «حضوره ووظيفته وصوته فيها، مادامت هذه القصة لا تحتفظ في واجهة ذاكرتها سوى بصورة المرأة وهي في خضم معاناتها وطموحاتها؟» (ص 9-10). وفي هذا السياق اختار ثلاثة تجارب دالة من المغرب وتونس ومصر: “مولد الروح” لزهور كرام، و”الحياة على حافة الدنيا” لرشيدة الشارني، و”زينة الحياة” لأهداف سويف. في مجموع تلك القصص تعاني المرأة. إلا أن الرجل بصفة عامة يؤدي فيها «دور الشخصية المعتدية بكيفية أو بأخرى» (ص 77).

في القسم الثالث والأخير من الكتاب قدم يعلى «مجموعة من القضايا السردية عرضاً وترجمة وقراءة. من ذلك محاولة تأكيد الدور الريادي الذي نهضت به الصحافة بوصفها ذاكرة للأدب والفكر والفن عامة والسياسة خاصة، لاستنبات القصة القصيرة بمفهومها الجديد في تربة الأدب العربي الحديث والمعاصر» (ص 10). وفي هذا السياق استعرض الكاتب عديداً من التجارب المشرقية والمغربية، وأشار إلى أسبقية المشرق العربي في هذا المجال الذي ارتبطت فيه القصة بالصحافة.

وفي المغرب ارتبط معظم القاصين في الأربعينات والخمسينات بمنابر بعينها «ولو مرحلياً للتعبير عن وجدان الشعب في مواجهته للأجنبي المستعمر» (ص 89). ثم خلص يعلى إلى التساؤل الآتي:

«ألا يمكن أن تفضي بنا المعطيات السالفة إلى هذه النتيجة: إذا كان كل من القصة القصيرة والصحافة يعتبر رديفاً للآخر، ألا يقرّ الواقع العيني بحقيقة كون القصة القصيرة العربية قد خرجت من جبة الصحافة؟» (ص 91).

وفي القسم الأخير ذاته عرض المؤلف إلى “البحث عن النموذج الإنساني في القصة المغربية القصيرة”. وفي هذا السياق طرح مجموعة من الأسئلة الدقيقة لعل أبرزها مدى قدرة هذا الجنس الأدبي القصير على التعبير عن المعاناة الإنسانية في عصر وسائط التواصل النافذة، واستطاعته أن يخلق لنفسه نماذجه الإنسانية المخصوصة؟ (ص 93). وللإجابة عن هذا السؤال المركب قدم يعلى مجموعة من الملاحظات تخص تطور القصة القصيرة بالمغرب، ثم ملاحظات أخرى تخص راهنها. وفي هذا السياق الأخير استنتج قدرة القصة على «التعبير الملائم عن حركة الحياة المتسارعة التي تطبع المرحلة الحضارية الراهنة» (ص 95). وعلى الرغم من أن الرواية أخذت تزحزح القصة القصيرة عن مكانها منذ أواخر سبعينات القرن العشرين فقد «استماتت القصة القصيرة خلال الثمانينات والتسعينات بمثابرة وإلحاح متحديين» (ص 95). ورفض يعلى فكرة أن تكون «القصة القصيرة مجرد مرحلة للتمرين على الكتابة السردية» (ص 96) مثلما رفض فكرة صراع الأجيال (ص 97) وضرب للتواصل الجيلي أمثلة من الأدب العالمي. وبخصوص مسألة التجريب التي ميزت إبداع الجيل الجديد خلص يعلى إلى ما يمكن تسميته بالتجريب المقيد. «وينطلق هذا الفهم من الاقتناع بكون التجريب هو تجسيد لحرية الكاتب في خياراته الخاصة. لكن هذه الحرية هي حرية مقيدة بالمسؤولية، مسؤولية تنظيم فوضى الحياة داخل النص، ضمن رؤى عميقة تجاه معضلات الحياة المزمنة» (ص 100). وفي خاتمة مقاله أورد مجموعة من الشروط التي رآها حتمية من أجل أن «نمتلك إمكانية التوقع، ولا نفاجأ بمصير قصتنا القصيرة» (ص 101).

وارتباطاً بالقصة القصيرة ترجم يعلى مقالاً مركزاً عن اللغة الإسپانية بعنوان “جدارة القصة القصيرة جداً” لصاحبه أنخيل ملدوندو أستيفيد من بويرتو ريكو. ولقد حاول هذا المقال «تحديد وضبط مفهوم القصة القصيرة جداً، ومد صلاحيتها باعتبارها أداة تعبيرية مناسبة لراهن الإنسان في مجتمعات متشعبة التعقيد، وذات صيرورة غاية في الحركة والسرعة» (ص 10).

وفي القسم الثالث ذاته ناقش يعلى مفهوم الصورة في مجال النثر من خلال كتابين: «بناء الصورة في الرواية الاستعمارية” لمحمد أنقار، و”الصورة في الرواية” لاستيفن أولمان، ترجمة محمد مشبال ورضوان العيادي. وبخصوص الكتاب الأول استعرض مادته الرئيسة وانتهى إلى أن «محمد أنقار قد جعل من موضوع كتابه مشروع عمره. فمنذ حوالي عشرين عاماً، أي منذ مناقشته لهذا البحث بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، وهو يشتغل على موضوعه تطويراً وتطبيقاً وتدريساً، مما كان له أثره الواضح في تمهيد الطريق لعدد من الباحثين الشباب، الذين حضروا رسائلهم أو أطاريحهم، […] أو يشاركون بالنقاش الجدي المعمق للصورة الروائية» (ص 119). أما بخصوص الكتاب الثاني لاحظ يعلى أنه «يركز على رصد أنساق الصورة الروائية من منطلق بلاغي أسلوبي، مقترحاً لهذا الغرض أعمال أربعة كتاب فرنسيين معاصرين هم: أندري جيد، آلان فورنيي، مرسيل بروست، وألبير كامو» (ص 110). ثم استعرض مضمون كتاب “الصورة في الرواية”، واختلف مع مؤلفه في بعض الجوانب، واعترف «بأن أهم ما جذبني في كتاب أولمان، فضلاً عن المستوى المعرفي، هو هذه القدرة العالية على مواجهة المتن الروائي في نفس مثابر مرتكز على شتى الأدوات الإجرائية، من تفكيك، وتفسير، ونقد، وتعليق، وجدل، وإحصاء، وتعليل، ومقارنة، واستقصاء، وتصنيف، واستنتاج، وتقييم» (ص 112).

وفي آخر فصل من فصول القسم الثالث اختار مصطفى يعلى نموذجاً من الدراسات النقدية التي احتفت بلون من الأدب الشعبي المهمش هو الخرافة. ويتعلق الأمر بكتاب المؤلف الجزائري عبد الحميد بورايو “الحكاية الخرافية للمغرب العربي: دراسة تحليلية في “معنى المعنى” لمجموعة من الحكايات” [1992] ولقد اهتم بورايو «في كتابه هذا بفتح النصوص السردية الشعبية العجيبة من خلال رصد وظائفها، على التاريخ والمجتمع والحياة، وذلك من أجل استكشاف دلالاتها العميقة والبعيدة» (ص 111).

ويجمع كتاب بورايو بين النظرية والتطبيق. ولاحظ يعلى أن هذه الدراسة تعتمد البحث الشكلاني والبنائي المتعدد المصادر والتوجهات والأطراف المنهجية المتفرقة، وارتأى «أن الاقتصار على منهج واحد محدد من مناهج هؤلاء [بروب/ ستراوس/ جريماس/ المدرسة الأمريكية] كان أصلح لهدف هذه الدراسة» (ص 125). وعلى الرغم من ذلك اعتبر كتاب بورايو رائداً في بابه. (ص 129).

وفي “ختم” كتاب “السرد ذاكرة” أكد مصطفى يعلى أن معظم مباحثه قد تمركزت حول السرد «باعتباره ذاكرة محتفظة بالتراكمات المكونة لتراث سردي حديث ومعاصر» (ص 113)، ثم حاول أن يلخّص في وجازة النتائج النقدية التي تخص كل موضوع من موضوعات الأقسام الثلاثة التي تشكل منها مؤلفه.

* * *

تلك كانت محاولة موجزة لتقديم مادة هذا الكتاب الوديع الذي عنّ لي منذ البداية أن أدرجه في سياق النقد التأملي الرصين. ويجب أن أعترف بأن معظم ما ورد في هذا العمل من أفكار سبق أن أطلعني عليها يعلى خلال لقاءاتنا العديدة ومناقشاتنا المستمرة. وإذا كان لي أن أختلف مع قضية من قضايا “السرد ذاكرة” فلن تكون غير الفكرة التي أشار فيها يعلى إلى أننا نعيش اليوم «زمن النثر بسلطة وخشونته» وأن «ما يهيمن راهناً هو جفاف الحياة، وبالتالي صلابة النثر» (ص 7). وأرى أن النثر اليوم ليس خشناً أو صلباً فقط؛ وإنما هو في نفس الآن في حالة تعايشٍ مع أساليب أخرى لا تقل شاعرية، أو فوضى، أو تشظياً، أو تفكيكاً. وحتى الحياة نفسها ليست راهناً في درجة الجفاف التي يشير إليها يعلى. صحيح أن اندحار القيم الجميلة وتراجع المشاعر الرقيقة أمران لا جدال فيهما. لكن على الرغم من ذلك أرى الجفاف ليس تاماً، ولا أدل على ذلك من الإبداع الشاعري الحالم الذي نقرؤه بين الحين والحين والذي يعد يعلى نفسه أحد رواده.

هذا كتاب جدير بالقراءة فيه ما يكفي من التأملات المنسابة القادرة على أن تنسينا، ولو إلى حين جفاف الحياة المعاصرة، وصلابة النثر الخشن الذي يستهجنه مصطفى يعلى.

 

 

تاريخ النشر: الإثنين, 22 يونيو, 2009